والى حافة الجنون دفعتني
كنت قد خسرت كياني
مطرودا وبعيدا
ثم لامست قلبي
حولتني وغيرتني
فبلغ بك الامر أن
صببتني في كل قالب خطر ببالك
ترجمة ازهر مهدي
سواء أكنت مؤيدا للجمهورية الاسلامية الايرانية ام معارضا لها او كنت مؤيدا للحكم الديني بصورة عامة ام مؤمنا بالفكر العلماني مهما كان وضعه او كنت مؤيدا للفكر الراديكالي التقليدي ام شخصا مؤيدا للحضارة الغربية الديمقراطية ، فأنك ومهما كانت انتمائاتك العقيدية ستتفق معي او مع اغلبية الشعبية الايراني عند تعرفك عن كثب على ما يدور هناك بأن شمس الاسلام بدأت تغرب عن تلك الامة العظيمة التي ساهمت كما لم تساهم امة اخرى في بناء الاسلام منذ نشأته ولغاية عهد قريب جدا.
اذا لم تسافر يوما الى ايران او انك لا تجيد الفارسية او انك لا تعرف اصدقاء ايرانيين وتغاضيت عما يشاع في الاعلام الاجنبي فأن مصدر معلوماتك الوحيد عن ايران سيكون الاعلام الايراني القوي والدعاية المدروسة والممنهجة باسم الدين وستعتقد انك تنظر الى المدينة الفاضلة حيث النساء المحجبات والرجال الملتحين يتظاهرون امام السفارات وخلال صلاة الجمعة ضد سلطة الغرب وقوى الاستكبار العالمي وستسمع التقارير التي تبين لك التطور التقني والعلمي الذي شهدته ايران بعد الثورة وما حققته من مكاسب للشعب وستفرح لما يقولونه عن التوزيع العادل للثروات التي تزخر بها ايران ناهيك عن مظاهر التدين وتطبيق الشريعة والكلام عن الاخلاقايات والمباديء والمثل كلها لتخلق لك ايحاءا قويا بأن الحل الوحيد لبلدك يكمن في تبني النموذج الاسلامي الايراني ، وهي الصورة التي يحب ان يراها اكثر مواطني عالمنا الاسلامي عن تلك البلاد باستثناء بعض المعادين لايران لدينا ممن لديهم خصومة طائفية ومذهبية مع الشعب الايراني من جهة واولئك الذين لديهم ومشكلات ستراتيجية مع النظام القائم من جهة أخرى
لكن اذا حاولت ان لا تتبنى صورة مسبقة في ذهنك عن ارض الميعاد الاسلامية او فضلت عدم تصديق ما يقوله الايرانيون لك عما يجري بحجة انهم من بقايا عهد الشاه فأستعد للصدمة التي ستصيبك وخيبة الامل ههناك بسبب ما تعرضت له من تغرير وغسيل دماغ لسنين طوال بمجرد ان تطأ قدمك الاراضي الايرانية وفهم ما يجري من كارثة.
قبلها اعود بالذاكرة الى الوراء عندما كنت يافعا واتذكر كيف استقبل الناس الثورة التي اطاحت بالحكم البهلوي الشاهنشاهي بالتهليل والفرح لاسباب كثيرة منها علاقات الشاه المخلوع بالغرب والرغبة بالتخلص من نفوذه في المنطقة وكذلك ازدهار الفكر الديني الذي ادلج فكرة الوصول الى السلطة وانشاء حكومات ودول دينية تعيد لنا امجاد الماضي والغريب ان التأييد للثورة الاسلامية حينها لاقى ترحيبا من اطياف واسعة ومتباينة ضمت الشيوعيين المعادين لامريكا والقوميين المعادين للشاه واسرائيل ،والاصوليين المعادين للجميع لكن وبمرور الايام استطاع الغرب بقوته مستعينا بالاموال العربية من تحجيم المد الديني المرعب للثورة كذلك فأن ما قام به الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بمحاولته الدخول في حرب مع جارته الشرقية وتحقيق احلامه في السيطرة على مقدرات المنطقة واعلان نفسه وريثا لقوة الشاه كان له اكبر الاثر في تغيير مسار الثورة التي بدأت أخلاقية لتندثر الى الحالة المشينة التي نراها من الداخل
ان الحديث عن ثورة العام 1979 طويل ولا تتسع له هذه المقالة لكننا في نفس الوقت يجب ان نكرم المناضلين الاوائل الذين قاموا بها من آمنوا بالتغيير ابان الثورة وبعدها واولئك الذين انزووا بعيدا فلم يلوثوا ايديهم وجيوبهم والذين بذلوا حياتهم رخيصة لتحقيق حلمهم في خلق مجتمع حر في ايران ، كانوا شبابا وشابات في مقتل العمر اعتنقوا مباديء عظيمة واخلصوا لها من دون ان يجبرهم احد على فعل ما فعلوه وان هؤلاء الشباب الشابات الذين كانوا بمئات الآلاف ناضلوا وجاهدوا عن قناعة وفكر ودراية وليس انجرافا وفوضوية وهو ما يدلل على طيب نفوسهم وكرم منبتهم بل انهم قاموا بما قاموا به بتشجيع من ابائهم وامهاتهم للوصول الى غاية شريفة ونبيلة الا وهي احقاق الحق وازهاق الباطل لما عانوه في عهد الشاه من ظلم ورسموا لنا صورة من الملاحم قلما تكرر في التاريخ وتعجز حتى الالياذة والاوديسة وشاهنامة الفردوسي وبطولات العرب والغرب عن محاكاتها وان سماع مآثرهم وهي كثيرة يبعث في نفوس المستمعين والرواة الشجن ويبلل الخدود بالدموع وللاسف فأن اكثرهم غيب تحت الثرى وفي السجون وحوصر اعلاميا فأختنقت كلماتهم وربما لو تسنى لهم البقاء لماتوا كمدا على الحالة التي وصلت اليها بلادهم
لكـــــــــن
ان قسوة الواقعة بعد ان تسمع قصص الشهداء والمناضلين الاوائل تشتد وتتعمق بسبب الاحساس بالمرارة بسبب الخيانة التي تعرض لها اولئك المناضلين ، فقد انتهت الحرب الضروس الطاحنة التي استمرت ثماني سنوات وراح ضحيتها ابناء ومقدرات بلدين عظيمين في دوامة من الجذب بين الساسة على كلا الجانبين لكنها وحدت الايرانيين على مختلف قومياتهم وانتمائاتهم امام المعتدي المتمثل في صدام حسين ولم يعلموا ان هنالك عملية منظمة تجري في الجبهة الخلفية على يد رجالات الدين للسيطرة على مقدرات بلدهم بالكامل ، اذ حصلوا - اي رجال الدين - اولا على موافقة الشعب على الدستور الاسلامي الذي نال موافقة اغلبية الايرانيين خلال فترة وهج الثورة مستغلين خشية الشعب على بلدهم من التمزق والصراعات الداخلية والاعتداءات الخارجية وهو دستور انشأ معادلة يصعب فهمها تهدف الى تقسيم السلطة بين الزعامات الجديدة بعد ان جرى اخراج وطرد وتحجيم اي معارضة حتى لو كانت من رجال الدين العقائديين الاوائل الذين احس بعضهم بمدى الانحراف الحاصل وتم كذلك تشديد القيود على اي عملية تغيير قد يطالب بها البعض على الدستور واذا ما ناقشتهم بشأن الدستور الحالي فانك ستسمع دوما العبارة التي يجيبونك بها بسرعة الا وهي ان هذا الدستور الحالي قد تمت الموافقة عليه من قبل اغلبية الشعب متغاضين عن حقيقة ان الدستور قد اقر في فترة حرجة من التاريخ الايراني وان جميع دساتير العالم تسمح دوما باجراء تغييرات كي تتمكن من الاستمرار ومتغاضين عن حيقيقة اخرى وهي ان اغلبية الشعب الايراني الحالي ولد بعد الثورة ولا يمكنه الشعور بما وقع بل انه يشعر بالظلم الواقع عليه حاليا فقط فلماذا لا يحق له التصويت على اجراء تغيير في الدستور او حتى استبداله او حتى الثورة مجددا على الواقع القائم ؟
ان سيطرة المتدينين لم تشمل المؤسسات الرسمية كمجلس الشورى والحكومة والقضاء او ما يسمونه بالسلطات الثلاث بل تجاوزوا الامر الى انشاء سلطة بديلة يتزعمها المرشد الاعلى للثورة الاسلامية يحق لها نقض اي قرار يصدر عن تلك السلطات على الرغم من انها سلطات دستورية وتم انشاء جيش او تكتلات عسكرية وامنية تتبع قراراته سلطت على رقاب كبار المسؤوليين ومنهم رئيس الجمهورية نفسه والبرلمان الذين تم انتخابهم من الشعب وفرض المرشد سلطته على المسؤولين الايرانيين في الخارج ايضا اذ ان كل سفارة ايرانية يرافقها ممثل عن المرشد يمتلك صلاحيات اكبر من السفير نفسه وجرى تعيين زعيم الثورة اماما له مطلق الصلاحيات الدينية والدنيوية باعتباره ولي امر المسلمين بل واكثر من ذلك فقد تم تلقيبه بممثل الامام اي الامام الثاني عشر ، اي ممثلا ونائبا عن الامام الاخير من ائمة اهل البيت النبوي الشريف ولم تنته القضية عند هذه الاجراءات فحسب بل تم الغاء الاحزاب والسيطرة على وسائل الاعلام المرئية والمسوعة والمكتوبة وجرى فرض رؤية عقائدية على السينما والتلفاز والصحافة والادب والفن وخلق محتمع احادي الثقافة والتفكير والمظهر فانصهر المجتمع في بوتقة من القرف والملل المرعبين ، كل ذلك في اطار خلق مشروعية الهية ودينية جرى التنظير لها قبل وبعد الثورة في ما سمي بولاية الفقيه وهي النظرية التي لاقت اعتراضا واسعا في الوسط الشيعي لكن تم اخماده وخنقه بسرعة
ان الثورات تفشل لانها تبقى مجرد ثورات واذا لم تتبنى المنهج المدني في الحكم بعد مدة من تحقيق هدفها بالتغيير اذ ان الثورة كما يدل عليها اسمها هي حالة من عدم الاستقرار يقصد منها زعزعة وضع قائم لخلق وضع مستقر في مرحلة لاحقة لكنهم هناك وبعد ما يقارب الثلاثة عقود يتحدثون عن الثورة ويحكمون باسم الثورة ويرفعون شعارات الثورة ، ولسنا بحاجة الى التذكير بان اكثر من نصف الشعب الايراني ولد بعد الثورة ولا يفقه من تلك الشعارات شيء ،لكن سؤالي الاهم ماذا فعلت الثورة ؟ وما الفرق الذي حققته ؟ اقصد بالفروقات التي تنادي بها وليست الفروقات الشكلية من التحول من الملكية الى الجمهورية او تغيير بعض السياسات الآنية .
كان من ابرز اهداف الثورة بعد التخلص من حكم رضا بهلوي هو تحقيق مجتمع مسلم او اسلامي يقوم على اسس اخلاقية وتوزيع الثروات اي خفض مستوى الفقر والتحرر من الدكتاتورية والتخلص من تبعية الغرب لكن بحث اي من تلك النقاط يعطينا نتيجة مغايرة عن الهدف منها،فلقد تراجع الايمان بالاسلام وسط الشباب الايراني كدين او عقيدة اساسية يؤمنون بها بل وللاسف فأن عدد كبير منهم اذا ما سألته عن ديانته يخبرك انه قد ولد وسط عائلة مسلمة اي انه ليس مثلهم او ان يكون اكثر صراحة فيعترف انه لم يعد مسلما واكثر من يسافر للاقامة الى الغرب فأنه سيقوم اولا وقبل كل شيء بتغيير ديانته الى المسيحية او الزردشتية او حتى البهائية والكثير منهم لم يعد مهتما بالممارسات الدينية اي انهم مسلمون تقبلا للحالة التي ولدوا عليها فقط ،وستصدم ايضا من حالة المساجد في ايران فبأستثناء المسجد الرسمي الذي يؤمه اتباع السلطة خلال صلاة الجمعة ويرفعون فيه الشعارات العدائية كما نراهم في التلفاز فأن المساجد الايرانية في حالة يرثى لها فالمصلين في اكبر مساجد المدن الايرانية قلة قليلة لا تتناسب مع ما كنا نعتقده وهنالك الكثير والكثر من القصص المؤسفة والمؤلمة التي اسمعها عن حالة الاسلام في ايران وهي امة اثرت واغنت الفكر الاسلامي بشقيه السني والشيعي والمعتزلي على مدى العصور، وهي حالة ادت الى اكبر عملية ردة جماعية عن الاسلام يشهدها التاريخ ، ناهيك عن التفسخ الاخلاقي المروع فالجريمة والمخدرات والفساد هي من السمات التي اصبحت من العلامات الفارقة والثابتة في المجتمع الذي كان يعد يوما اكبر المجتمعات الاسلامية وعيا وادراكا وثقافة وابداعا وللحديث في هذا الموضوع ذو شجون طويلة
اما توزيع الثروات وتحقيق العدالة الاجتماعية وخفض مستوى الفقر والاصلاح فهي الاخرى ذهبت مع رياح التغيير المنشود فالفقر الآن هو الصفة الطاغية على الشعب الايراني الذي يرقد على واحدة من اغنى الاراضي فأيران هي بلاد الفصول الاربعة اي انك تشعر بالفصول الاربعة خلال اليوم الواحد على امتداد الربوع الايرانية فيمكنك التمتع بالشمس الساطعة على شواطيء الخليج الجنوبية وان تركب الطائرة بعدها لتتزلج على قمم الجبال الشمالية في اليوم التالي وان تستنشق نسائم الربيع عند منابع الانهر في الوسط و الغرب وان ترى الخريف في الشرق هذا اذا كانت رحلتك في حزيران او تموز الساخنين في دولنا الخليجية، وايران هي بلد الربيع التي يتغنى شعراؤها بالزهور والعطور والجمال والطبيعة اكثر من غيرهم ربما ،ناهيك عن انهار النفط ومناجم الحديد والصلب والكبريت وكل ما تتخيله من المعادن اضافة الى الموقع الستراتيجي والثروة البشرية التي انعم الله بها على هذا الشعب المسكين الذي لم يذق يوما هنيئا في تاريخه، لكن الفقر والبطالة المستشريين والفساد الاقتصادي والرشوة والتلاعب بمقدرات الشعب كلها امور تثير فيك الحيرة والدهشة من الوقاحة التي يتحدث بها المسؤولون الايرانيون والذين يصمون اسماعنا بكلماتهم عن الاخلاق والمباديء والوطنية في جميع المناسبات
اما الدكتاتورية فهي كارثة اخرى فحاول ان تنسى ما ذكرته في السطور السابقة وهي وحدها كافية لتشعرك بحجم الدكتاتورية في ايران الحالية لكن تذكر ان الرئيس الايراني الذي يتم انتخابه لاربع سنوات يمكن تمديدها لاربع سنوات اخرى بعد اجراء عملية من الفرز والتدقيق السريين على المتقدم للترشيح والتأكد من ولائه للنظام هو رئيس ضعيف وشكلي ولا يعدو دوره وزيرا للخارجية او الاعلام اومديرا في ادارة حكومة تصريف اعمال ولا تغرنك التصريحات النارية والخطابات البراقة الصادرة عنه فهو مجرد واجهة لحكومة خفية ورهيبة من الوصولويين والمنتفعين والمافيا التي تتاجر بالثروات واني تعرفت الى شباب في مقتبل العمر حصلوا على ثروات مهولة لمجرد انهم من ابناء السلطة او عرفوا كيف يمكنهم التعامل مع السلطة ويكفيك تخيل وتقارن اثرياء دول الاتحاد السوفييتي السابق لتشعر بحجم الدمار الواقع على الارض الايرانية ، يقولون ان الشاه قد فعل كذا وكذا لكن ما فعله آية الله خلخالي لوحده في محاكمه الثورية الوحشية التي لم تميز بين بريء ومجرم فاق كل التصورات وتجاوز كل الجرائم التي ذكرها التاريخ عن المجازر قبل الثورة حتى اصبحت مضربا للمثل في القسوة والفظاعة ، واني هنا اذكر بالمنسيين في ايران من غير المسلمين الا وهم ابناء الاقليات الاخرى كالبهائية واليهودية والزردشتية والمسيحية الذين لا يحق لهم التعيين في الوظائف العامة ولا حتى استكمال دراستهم الجامعية في كثير من الاحوال حتى بدأ العديد منهم يسلك طريق الهجرة والحصول على مأوى له يوفر له الكرامة والامن
لقد تعرض الاسلام كما الشعب الايراني الى ضربة قاصمة وقوية ولا اعرف عدد العقود اللازمة لاصلاح العطب والضرر الشديدين الذين وقعا في دوامة الجنون هذه وان المذهب الشيعي الذي افخر بانتمائي اليه والذي كان يتلقى الضربات الخارجية واحدة تلو الاخرى فيخرج اكثر قوة وحيوية قد تلقى هذه المرة ضربة موجعة من الداخل هذه المرة تمثلت في تشويه المباديء والاسسس النبيلة التي قام عليها في ايمانه بالعدالة والمساواة والتطلع نحو الحرية وعدم قبول الضيم والظلم فأصبح ورقة يتلاعب بها المتلاعبون للخروج بنظريات ثورية تبرر وجودهم ورغبتهم بتعبئة الشيعة المتواجدين خارج الاراضي الايرانية مستغلين حالة القمع والدكتاتورية المستشرية في دول المنطقة والتي نالت طائفتنا نصيبا كبيرا منها مثلها مثل باقي القوميات والطوائف لكن بمسميات مختلفة وانني على يقين من خلال معرفتي بالوضع الايراني ووضع الحركات الاصولية حتى تلك المنتمية للمذاهب الاخرى كحركات الجهادية السلفية في مصر ولبنان واليمن والباكستان والجزائر وباقي دول العالم الاسلامي من ميل الى التجبر والاستبداد والاستهانة بكرامة الفرد والمجتمع وتبنيها لنظرة غامضة ومتشددة للدين سيؤدي الى قيام حالة مشابه للوضع الايراني او حتى اكثر ظلامية كما كان الوضع في افغانستان في عهد المجاهدين وطالبان .
اتمنى ان يسعفني الوقت والجهد لاحقا للتفصيل اكثر في هذا الموضوع الذي كتبته واصوات الايرانيين تلاحقني وهم يتحدثون عن آلامهم ومعاناتهم ويأسهم من كل شيء ، لقد يأس الشعب من فعل شيء لكني اظن ان للتاريخ صروف وعبر ، فالدكتاتورية الاسلامية الايرانية تشبه الى حد كبير الدكتاتورية البلشفية في الاتحاد السوفياتي السابق في كونهما دكتاتورية طبقية رغم وجود منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي او ( او الفقيه الولي ) في التعبير الايراني وهي طبقة قد تتعرض الى هزة في يوم ما فيخرج من وسطها رجل يرغب بالتغيير فيحصل التغيير الغير معروف كنهه وان هذا الصنف من الدكتاتورية اكثر خطرا واطول بقاءا لكنه مثل اي دكتاتورية فردية اوطبقية سيسقط حتما ولا اعتقد ان الثورة ستكون طريقا نحو التغيير هذه المرة فلا الشعب بات يؤمن بالثورة الجديدة ولا السلطة القائمة مستعدة بسبب طبيعتها الثورية اساسا لقبول اي تغيير مماثل
بل انها تعمل ونذ نشاتها الى قمع واخماد اي تحول يطرأ علي بيئتها الاستبدادية الخصبة
لا يفتأ الاعلام العربي يطالعنا كل يوم بمفارقات وعجائب تكشف نفاقنا وضحكنا على انفسنا والعجيب اكثر اننا لا نتوقف عن التعجب من اعلامنا الراقي وكأن ابداع الاعلام العربي والمثقفين في التمويه والتضليل يتفوق على كل تقنية دعائية واعلانية عرفها العالم خلال التاريخ
مفارقات بلا حدود
قصة قصيرة من تاليف ازهر مهدي
انه يوم غير عادي فعلا فرغم اني عالق وسط هذا الزحام المرعب والسيارات لا تسير بالكاد الا بضعة اقدام كل عشر دقائق واوشك المساء على الحلول ولم اصل الى مقصدي ،لكني اشعر بسعادة ونشاط غامرين لم اشعر بهما منذ آماد كأنها قرون ،لا اعرف ما السبب هل هي الحفلة الصاخبة التي قضيتها ليلة امس فعاقرت فيها كل اصناف الخمور ام هي الفتاة التي منحتني في الفراش بعدها اجمل مالديها ام هي الادوية المهدئة التي اخذت تؤتي ثمارها اخيرا بعد ان جعلتني فيها كالمخدّر لسنوات ،ام عودة والدتي الى ارض الوطن بعد ان قضت معي ما يقارب نصف العام لم تنفك فيها تنغص علي حياتي وتقيد فيها تحركاتي فكنت مجبرا على الاصغاء اليها واتباع وصاياها الألف اوربما هي الاغاني الخفيفة التي استمع لها لتلهيني عما حولي؟
لا اعلم لكني استسلمت لهذا الشعور اللذيذ والنادر في هذه الحياة وخصوصا حياتي انا و الذي حول تلك اللحظات الى عالم رقيق وجميل مليء بالالوان الزاهية تغمرني فيه الاصوات والموسيقى والمرح والاحاسيس اللطيفة انها من الاوقات التي تشعر الانسان انه يستحق المجيء الى هذا الدنيا والاستمتاع بكل المحرمات والمحللات ايضا وتنعدم فيها الفروقات بين الصح والخطأ.
توقفت عن التأمل في هذه الفترة المهم اني سعيد بل وسعيد جدا ولن اسأل عن السبب .
لكنه الزحام فقط الذي يزعجني الآن ، وان الشعور بالتأخير لا يقلقني فحسب بل التفكير بأن المكان الذي قد اقصده ربما يغادر الى مكان اكثر ازدحاما نعم شعرت ان الاماكن قد تتحرك في تلك الوهلة بسبب معاناتها من الملل و الانتظار كلنا كنا ننظر الى الامام آملين ان نخطو خطوة ولو واحدة لكن من دون ان يتحقق هذا الحلم الا بشق الانفس للاسف.
الحسن في الموضوع ان البعض يستغلون الانتظار في عمل اشياء جيدة فهذا الآسيوي الذي يقود سيارته الفارهة المحاذية لي قد حول سيارته الى مكتب عمل لا يحتاج فيه الا الى هاتفه الخلوي ربما ليجني الملايين .
- قل له ان يودع المبلغ في الحساب البنكي والا سأقدم الشيك الى الشرطة خلال يومين
ثم يتوقف ليستمع الى المتحدث في الطرف الاخر ويجيب بلهجهته الانجليزية المتبلة بالبهار والحارقة كلفلفل:-
-لا يهمني ، ان شركتي ليست مؤسسة خيرية فلو اراد كل عميل ان يدفع على مزاجه لاكلتني الكلاب وخسرت مصالحي ولكان خير لي ان ارجع الى هناك.
كان يتحدث بأسهاب وغضب عارم بأسلوب روتيني معهود من رجال الاعمال غير عابيء بالسامعين حوله لكني في عين الوقت وجدت ان كلامه منطقي رغم عدم انسانيته في نظر البعض ففي هذه المدينة لا يمكنك ان تتهرب من الدفع كما لا يمكنك السماح للآخرين ان يتهربوا من الدفع ايضا وقد اراحنا من صراخه اخيرا عندما اغلق زجاج نافذته وتركني استمع الى المذياع.
وتلك السيدة العربية مع اولادها على الطرف الاخر قد احضرت معها المطبخ والكتب على ما يبدو فهي لا تنفك تخرج الطعام وتحشوه في فم ابنها الصغير وتطالع في الكتاب لتذاكر لابنها الاخر وما بين الاثنين لم تنس ان تحتضن ابنتها المذهولة بالاضواء حولها كأنها تعزيها عما سيصيبها في المستقبل من تعب وعناء المسؤولية كأي امرأة عربية أخرى كتب عليها الشقاء.
- سيدي العزيز أأنت مسلم ام مسيحي ام هندوسي ؟
قالها البائع الآسيوي المتجول متحدثا اليّ بعربية على الطريقة البوليوودية وهو يريد بيعي مالديه من رموز دينية ، لم اجبه بسبب دهشتي واكتفيت بالتطلع اليه مستغربا اذ ظهر من اللامكان واستغل فتحة النافذة الامامية الصغيرة التي فتحتها ليخرج منها دخان سيجارتي ليحشر فمه وانفه فيها بالمقلوب وقد خشيت عليه لوهلة من الاختناق بالدخان الذي كنت انفثه نفثا، خصوصا ومنظر عينيه المراقبتان للوضع من حوله تخوفا من حضور شرطي قد يصادر ما لديه ويرسله بعيدا الى بلاده زادني رعبا ، كان يبدوا عليه القلق وتخالط محياه الذلة والمسكنة رغم بريق الذكاء المتوقد الذي يشع من عينيه المبيضتين مما خفف وطأة الكلحة المرتسمة على وجهه بسب حرقة الشمس او لعنة الوراثة ربما، لم احر جوابا حينها لكنه عرف استغرابي من السؤال والبضاعة فلم يتركني اغلق النافذة فبادرني قائلا بعدما تشبث بيديه واصر على ادخال ما يستطيع من وجهه :-
ان عندي ايات قرآنية و ايقونات للعذراء وصلبان فضية وصور للالهة اني ابيعها باسعار جيدة ومناسبة ساعدني سيدي فأني من دون عمل وتأشيرتي ستنتهي قريبا ، انت مسلم ، اليس كذلك ؟ان لدي كل ما تريد ؟؟؟!!!.
يبدو ان التجارة هذه الايام هي خير ما يوحد الاديان والطوائف فهؤلاء المساكين يتاجرون بالدين باسلوب واقتصادي وبنّاء فعلا خلافا لغيرهم من المتاجرين بارواح وعقائد بني البشر من دون وجه حق ، انها حقا المدينة التي تستطيع فيها بيع كل شيء من دون الاحساس بالتناقض، فأردفت قائلا :-
- هل عندك اية ادعية ؟ سألته على عجل وتوجس
- نعم سيدى انظر ، فعرض علي مجموع من الادعية والصلوات بلغات شتى
-اعطني هذا الدعاء كم ثمنه ؟
-عشرة دراهم سيدي وان شاء الله ستمنحك السماء بركتها ، انه دعاء مجرب وتأكد انك ستشكرني لاحقا
- شكرا لك من الان ، لكن يجب ان اغلق النافذة الان.
اعطيته الدراهم واخذت الدعاء متيمنا و متمنيا ان يمحو اثره خطاياي بالامس وقبل الامس و الايام القادمة ايضا.
حاولت تعليق الدعاء على المرآة الامامية لكنه الخيط الذي سبب لي الازعاج ،كان قصيرا جدا فأخذ مني وقتا لكني تمكنت في النهاية من انهاء مهمتي والآن اصبحت سيارتي اكثر قدسية من ذي قبل ، اذ ان منظره ومضمونه يضفيان الروعة الى فضاء السيارة فلم اتوقف عن النظر اليه فرحا مسرورا.
لكن هذه المرة جذب انتباهي منظر آخر ،حدقت جيدا في المرآة وانا اشاهد السيارة خلفي ،كان النور الداخلي فيها مضاءا وبدا السائق منزعجا ومتوترا كمن يبحث عن شيء ما والسيدة بجنانبه مرتعبة ومتوترة هي الاخرى.
- الحمد لله لقد بدأت السيارات تتحرك قليلا يبدو انهم قد فعلوا شيئا لانقاذنا اخيرا ، هذا ما قلته لنفسي في حينها لكن سرعان ما عاد الازدحام الى حاله و نسيت السعادة التي انتابتني قبل ساعة من دخولي الى فم التنين .
لم اتوقف عن النظر الى ما خلفي وشيئا فشيئا بدأ الموضوع يأخذ منحى جديدا ، فهي تبكي نعم تبكي والرجل يصرخ بشدة وهو ما بدا واضحا على ملامح وجهه.
اشحت بناظري عن المرآة متذكرا نصيحة الطبيب بعدم التعرض الى اي موقف قد يستفزني ويسسب لي التوتر لكني نسيت الطبيب ووصاياه وانا انظر الى المرآة وقلبي يتمزق لمنظر المرأة المفجوعة وهي لا تملك حيلة ولا تعلم ماذا تفعل لقد كان يصرخ بشدة ووجهه الثلاثيني ذو الشاربين المنسدلين على فكه مع حاجبين منطويين كحاجبي التنين ذكرني بأفلام الرعب المبتذلة التي سادت في عقد الثمانينات ،كاد ان ينفجر غضبا وخيل لي اني اسمع صراخه في تلك اللحظة و استمرت هي بالبكاء وانكبت على طفلها في حضنها تريد حمايته، فكرت انها ستأخذ زمام المبادرة وتخرج من السيارة ، فلا شيء يجبرها على تحمل هذه الاهانة والذل ، لكنها لم تفعل، واستمر هو يصرخ بوجهها حتى فاجئها بلطمة على وجهها فتوقفت عن البكاء وانتفخت عيناها فتيقنت انها قد توقفت عن التنفس ،حينها لم اتمالك نفسي وترجلت من سيارتي متوجها اليه بما استطعت من قوة .
- ماذا تفعل ايها المعتوه ؟ اخرج من السيارة وواجهني انا .
- نعم ؟! من انت ؟! وما دخلك انت ؟ اذهب لحالك .
ماذا تريدين سيدتي ؟ هل آذاك ؟ هل اطلب الشرطة ؟ توجهت بالخطاب الى السيدة لكنها لم تحر جوابا وعيناها فاضتا دموعا وتسمرت هي في مكانها كتمثال جليدي
كررت السؤال على عجل وانا متوجس من ردة فعله ومن نظرات المحيطين الذين اخذوا يتجمهرون حولنا بسرعة كالمتفرجين الباحثين عن اي حدث يخرجهم من الملل.
لكنها لم تحر جوابا هذه المرة ايضا لكنها نظرت اليه بأرتخاء وفشعرت براحة لانها على قيد الحياة او على الاقل ليست في حالة هستيريا او فقدان وعي .
اغلق الرجل النافذة بعد ان همهم ودمدم ببضعة كلمات لم افهمها واخذت السيارات تطلق ابواقها لتطلب من التحرك و لتحذرني كذلك من التدخل في شؤون الغير وها هو السير قد بدأ يتحرك قليلا ولا احد يريد الانتظار او التدخل في ما لا يعنيه ، الم يقولوا لنا في المدرسة تلك العبارة الشهيرة ( من تدخل في ما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه ) والمسألة بين رجل وامرأته فما دخلي انا ؟
عدت الى سيارتي خائبا منكسرا وجلست على مقعدي محاولا استعادة ما تبعثر من اعصابي وراحة بالي.
- اللعنة لقد اخبرني الطبيب الا اوتر نفسي سأظل اياما اعاني من الشد والضغط من دون فائدة او سبب فما الذي حصلت عليه من تدخلي هذا ؟؟؟؟!!!!!
لكن نظرة اخرى الى النافذة جعلتني اكثر حدة ، فقد استمر بالصراخ والتلويح بيده مهددا لها بقبضته وهي تحتضن طفلها بقوة كأنها تسترحمه لاجل هذا الطفل لكن من دون نتيجة، وخيل لي انه كان يفعل ذلك وهو متأكد اني اشاهده من مرآتي فهو لم يطفيء النور الداخلي بل ظل سادرا في غيه وشعرت انه ينظر الي يتحداني كي افعل شيء له.
عندها ترجلت من السيارة مرة اخرى فقد اصبح الامر الآن يعنيني بالفعل وكان مستعدا لي هذه المرة اذ نزل من السيارة هو الاخر واوشكنا على الدخول في اشتباك لكن الشرطي الذي يراقب الازدحام تدخل سريعا مطلقا صفير الانذار واقترب مني قائلا ؟
- هل هناك مشكلة ؟
ان هذا الشخص ما برح يؤذي السيدة التي معه – اجبته بسرعة وحدة.
- هل ان كلام السيد صحيح يا سيدتي – توجه اليها الشرطي بسؤاله – يبدو انك في حالة سيئة هل تريدين التقدم بشكوى ما ؟
- لا يا سيدي – اجابته بصوتها المختنق – شكرا له ولك لكني مريضة فقط ولا أعاني من خطب ما ، نظرت لي كأنها تطلب الاعتذار لانها وضعتني في هذا الموقف المحرج.
- هل انت متأكدة سيدتي ؟ بأمكانك التقدم بشكوى الان لو اردت سيدتي – اجابها الشرطي.
- كلا سيدي شكرا لكما ثانية لكني مريضة فقط والازدحام بدأ يؤثر بي فعلا ، اتمنى ان نصل قريبا ، اجابته السيدة هذه المرة من دون ان تنظر الينا وانكفأت على طفلها الذي بين ذراعيها ونظرة الرعب بادية على محياها.
هل يمكننا ان نكمل طريقنا سيدي ؟ سأله الرجل بتهذيب هذه المرة.
نعم تفضل وامضي في طريقك ؟ سينتهي الازدحام لقد ازيلت الموانع بسبب الحادث ، اجابه الشرطي الذي توجه الي بالخطاب بعدها قائلا وانت ايضا سيدي لا يمكننا فعل شيء يبدو ان المسألة هي مسألة عائلية تحدث كل يوم.
عدت اثرها الى سيارتي هذه المرة محاولا اقناع نفسي اني فعلت ما كان ميسورا لي ، وتوقفت هذه المرة عن التطلع الى المرآة الامامية و انطلقت بسيارتي عندما انتهى الزحام
حاولت نسيان الموقف بأحراجه وفشلي في تحقيق شيء ، شعرت اني انا من تعرض للخذلان ، فقد خذلتني الضحية بأنكارها لما وقع وخذلني المجتمع عندما ظل متفرجا وخذلني القانون الذي لم يتخذ موقفا تجاه ما حصل.
وصلت الى وجهتي والحمد لله فلا تزال الاماكن كحالها ولم تغادر بسبب الازدحام والانتظار، جلست في المقهى بأنتظار أن يأتي صديقي وشريكي في العمل الذي ينعى علي دوما التأخير في الوصول وعدت الى بيتي وواصلت حياتي المعهودة بعد ان هدأت قليلا، لكني بعد مدة اكتشفت ان شيئا جديدا طرأ علي فما ان يحدث موقف او تنشب ازمة لا اكون ذلك الانسان المهتم او الغيور على الحق كسابق عهدي فلا يسعني الاكتراث والاهتمام بما يدور حولي ويبدو اني قد اصبحت مثل الاخرين مجرد انسان عادي جدا.